عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
410
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وشاعت السبحة ، وأرسل الحجاج الأوربيون إلى أوطانهم صناديق عربية تحفظ فيها الذخائر النصرانية ، وانتقل مع الملابس الأنيقة والمصنوعات المعدنية محلول اللّك « 1 » في الكحل والأصباغ النيلية ، والألوان الجديدة كالليلكي والقرمزي . وقد نقل الإفرنج أسماء هذه الألوان إلى لغاتهم : ( Lilac ) وهو لون أرجواني فاتح ، و ( Cerise ) الأحمر الكرزي وهو لون أحمر زاه ، وأدخل الصليبيون العائدون إلى بلادهم كثيرا من مظاهر الحضارة والترف التي رأوها نتيجة اختلاطهم بالعرب في الشرق . وكانت معظمها مما وقع في حوزتهم من آلات الطعام والشراب وأدواتهما مما كان يستعمل في مآدب الأيوبيين والمماليك . وهي عبارة عن كؤوس وطاسات وأطباق وأباريق ومباخر وموائد وغيرها . من ذلك ما حدثنا به العماد الاصفهاني عما غنمه الفرنج من هذه الأدوات في إحدى غزواتهم ، حيث يقول : « عندما انتصر العرب في الثاني من ذي الحجة بعد هلاك ابن ملك الألمان وعاد المستأمنون الذي أنهضهم السلطان في براكس من الفرنج ليغزوا في البحر ويكونوا أيضا لنا جواسيس ، فرجعوا وقد غنموا ، وكسروا وقسروا فظفروا ، وذكروا أنهم وقعوا بحراقة كبيرة ومعها براكيس « 2 » وفيها تجار فرنج ومعهم من المال الجليل النفيس ، وأسر التجار ، وأخذ المال وحيزت تلك المراكب ، فإذا هي مشحونة بالكرائم الجلائل من كل آنية مطبوعة ذهبية ، وحلية مصوغة نضارية ، وآلة فضية ، وأباريق وأكواب وأقداح ، وأطباق وموائد وسبائك وصفاح ، وكاسات وطاسات ، ومرافع وشربات ، فوفر السلطان عليهم هذه الأكساب ، وأظهروا لهذه النضهة أنهم مناصحون « 3 » » . وكما نقلت كثير من مظاهر الحضارة العربية إلى المغرب كذلك فقد لقحت الحضارة العربية ببعض مما كان يحمله الفرنج معهم من العادات والتقاليد ، وبالتالي من الأدوات والتحف المختلفة . وكانت جميع هذه التحف تصادر وتؤخذ غنائم حرب بعد أن يحرز العرب النصر على الصليبين في جملة الغنائم والأسلاب والأسرى التي تفرق على المنتصرين : .
--> ( 1 ) الك : نبات يتخذون منه صمغا ، والك بالضم ثفل نبات اللك المذكور أو عصارته . ( 2 ) البراكسس ج بركوس ، ذكر الدكتور الشيال في مفرج الكروب ج 2 ، بتحقيق عن محيط المحيط أن البركوس ضرب من السفن مأخوذة من الإيطالية Barcasa ويقابلها بالافرنسية Barque وبالإنجليزية Bark ( 3 ) الفتح القسي ، في الفتح القدسي : ص 461 .